مصر تٌعلم العالم قواعد التعامل مع السفارات واللي عايز يجرب يقرب

في زمنٍ تتداخل فيه مفاهيم السيادة الوطنية مع القوة الناعمة، اختارت مصر بقيادة الرئيس السيسي أن تقدّم للعالم تعريفًا جديدًا لمفهوم “البعثات الدبلوماسية”، لم يعد الأمر مجرد مكاتب أنيقة لاستصدار جوازات السفر أو لتصديق الأوراق الرسمية، بل صدر قرار رئاسي واضح: تحويل السفارات المصرية في الخارج إلى فروع أخرى لسجن العقرب شديد الحراسة.
هذا القرار لم يعد مجرد شعار، بل ترجمه الواقع اليوم في نيويورك حين قام موظفو السفارة المصرية، بخطف عدد من المتظاهرين داخل مبنى السفارة وانتهت الواقعة بضرب المتظاهرين واحتجازهم مؤقتًا، في تطبيق عملي مباشر لمبدأ: “اللي هيقرب هيتفشخ”.

عزيزي القارئ ربما تستغرب من لغة الحوار و من الألفاظ المذكورة، ولكن اسمح لي أن أقول لك إن هذه هي المصطلحات المستخدمة في سجون العقرب وباقي السجون المصرية قديمًا والسفارات المصرية في الخارج حديثًا، وهكذا انتقلت السفارة من كونها مقرًا للتوقيعات وختم النسر، إلى خطًا أحمر واللي عايز يجرب يقرب.
تصريحات بدر عبدالعاطي وزير الخارجية المصري منذ مايقرب من أسبوع جاءت لتؤكد هذا التحوّل؛ فالرجل لم يعد يكتفي بوصف نفسه كدبلوماسي، بل بدا أقرب إلى “وزير دفاع السفارات”، معلنًا أن أي محاولة للاقتراب من البعثات المصرية هي بمثابة إعلان حرب على الدولة.
إنها لحظة فارقة في الدبلوماسية المصرية؛ حيث صارت السفارات أشبه بثكنات عسكرية ببدل رسمية، جاهزة لإدخال كل من تسوّل له نفسه في تجربة واقعية من تجارب “سجن العقرب”.
أوامر السيسي: اللي هيقرب هيتفشخ
في الفترة الأخيرة وضع السيسي النقاط فوق الحروف، وأعاد تعريف مفهوم الحماية الدبلوماسية على المستوى الدولي، فبينما تلتزم بعض الدول بضبط النفس وتستخدم لغة الدبلوماسية اختار الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي لغة مباشرة لا تحتمل التأويل: “أي اقتراب من السفارة هو اقتراب من حدود مصر، واللي هيقرب هيتفشخ فورًا”.
بهذا الأسلوب، لم يعد الدفاع عن المباني مجرد مسؤولية أمنية، بل أصبح امتدادًا طبيعيًا للسيادة الوطنية، السفارات المصرية اليوم في عواصم العالم، صارت بمثابة “أراضٍ محصنة” يسري عليها قانون الردع الاستراتيجي نفسه الذي يطبق على الحدود الغربية والجنوبية لمصر، أي محاولة لدخول نطاقها تُعامل كما لو كانت اعتداءً مسلحًا على الأرض المصرية نفسها.
التجربة الأخيرة في الولايات المتحدة خير دليل حين تعرّض بعض الشباب للاختبار، وانتهى الأمر بتدخل موظفي السفارة المصرية في نيويورك وخطف المتظاهرين داخل السفارة (وضربوهم علقة بنت حرام )، ما شهدناه صباح اليوم كان مجرد بروفة صغيرة لمعنى العقيدة الجديدة، فـالسيسي لم يعد يكتفي بالكلمات أو البيانات الصحفية؛ هو يجعل الأحداث الواقعية تترجم خطابه إلى واقع ملموس، وتثبت للجميع أن تحذيراته ليست مجرد تهديدات نظرية، بل تعليمات قابلة للتطبيق الفوري.
وبذلك، يصبح “اللي هيقرب هيتفشخ” شعارًا عمليًا، يردع المعتدين قبل أن يفكروا في الاقتراب، ويحوّل السفارات المصرية إلى صرح أمني ودبلوماسي في آن واحد، وفي كل مرة تُرفع فيها أعلام مصرية في الخارج، تُرفع معها رسالة واضحة: لا أحد يتجاوز الخطوط الحمراء إلا على مسؤوليته الشخصية، لأن العقوبة ليست نظرية، بل حقيقة ملموسة تطبق فورًا.
بدر عبدالعاطي.. وزير دفاع السفارات
بدر عبدالعاطي هو وزير الخارجية المصري لكن خطابه الأخير جعله يبدو وكأنه وزير دفاع السفارات المصرية، الرجل بلهجته الحازمة، اختصر فلسفة الدولة: “أي محاولة اعتداء على السفارة سيتم التعامل معها بقوة، والمعتدي لن يخرج إلا بخسائر في الوش او الجسم أو ربما حاجات تانيه لا يمكن تعويضها”.

بذلك انتقلت وزارة الخارجية من مجرد إدارة الملفات إلى إدارة “الجبهات”، لقد أعاد عبدالعاطي تعريف مفهوم السفير: لم يعد موظفًا رفيع المستوى، بل بات قائد موقع عسكري يرتدي بدلة رسمية بدلاً من الزي الميداني، ومثلما يقف الضابط على الحدود، يقف السفير اليوم على باب السفارة، مدعومًا بقوة اسم السيسي التي تحولت إلى ذراع ردع دبلوماسي.
إن وجود بدر عبدالعاطي على رأس الخارجية يعكس تناغمًا نادرًا: فالمؤسسة الدبلوماسية أصبحت نسخة ناعمة من وزارة الدفاع، تتحدث بلغة المؤتمرات الصحفية لكنها تفكر بعقلية غرف عمليات القوات المسلحة المصرية.
الإعلام المصري يشارك في معركة السفارات
كالعادة، لم يتأخر الإعلام المصري عن التقاط الرسالة وتضخيمها إلى أقصى درجة، ففي البرامج الحوارية، تنافس المذيعون على توصيف المشهد بأساليب لا تخلو من تهكم جاد وبلاغة وطنية مدهشة:
أحدهم قال: “السيسي مش بس بيحمينا داخل مصر ده كمان عامل حسابه يحمينا في أوروبا و في كل دول العالم! أنا مش عارف هسد الديون دي كلها ازاي ياسيسي!.
البوق الكبير أحمد موسى خرج في برنامجه على شاشة صدى البلد ليصف القرار بأنه “لحظة تاريخية في تاريخ الدبلوماسية المصرية، والسيسي يحمي كرامة الدولة بكل قوة”، مؤكدًا أن أي محاولة للاقتراب من السفارات هي بمثابة تحدٍ شخصي للرئيس نفسه، وأن الرد سيكون فوريًا وحاسمًا، و اللي هيقرب ويركب قطر ستة إلا تلت ميزعلش بقا.
نشأت الديهي من جانبه أضاف نكهة تحليلية ساخرة، حيث قال: “السفارات المصرية لم تعد مقرات إدارية، بل أصبحت حصونًا استراتيجية.. واللي يجرؤ على الاقتراب، هيكتشف أن العقاب سريع ومباشر”، مضيفًا أن الدروس المستفادة من هذا القرار ستدرّس في كليات الإعلام والدبلوماسية لسنوات طويلة.
وبذلك تحول القرار إلى مادة خصبة للمدح الوطني والمبالغة الممنهجة: الإعلام المصري، الذي اعتاد أن يجد في كل خطوة للسيسي ملحمة، وجد في هذا القرار فرصة لتأكيد أن مصر لم تعد تكتفي بحماية حدودها، بل تحمي نفسها من أقصى الأرض إلى أقصاها كل تغطية، تعليق، وتحليل صحفي أصبح بمثابة إعلان رسمي: السفارات المصرية خط أحمر لا يُمس، واللي هيقرب هيتفشخ.